أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

257

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَإِذا فَعَلُوا . هذه الجملة الشرطية لا محل لها من الإعراب ، لأنها استئنافية ، وهو الظاهر . وجوّز ابن عطية أن تكون داخلة في حيّز الصلة لعطفها عليها ، قال ابن عطية : « ليقع التوبيخ بصفة قوم قد جعلوا أمثالا للمؤمنين ، إذ أشبه فعلهم فعل الممثل بهم » . وقوله : « وَجَدْنا » يحتمل أن تكون العلمية ، أي : علمنا طريقتهم أنها هذه ، ويحتمل أن تكون بمعنى لقينا ، فيكون « عَلَيْها » مفعولا ثانيا على الأول ، وحالا على الثاني . وقوله : « لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ » حذف المفعول الأول للعلم به ، أي : لا يأمر أحدا ، أو لا يأمركم يا مدعي ذلك . وقوله : « ما لا تَعْلَمُونَ » مفعول به ، وهذا مفرد في قوة الجملة ، لأن « ما لا يعلمون » مما يتقولونه على اللّه تعالى كلام كثير من قولهم : « وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها » ، كتبحير البحائر ، وتسييب السوائب ، وطوافهم بالبيت عراة إلى غير ذلك . وكذلك أيضا حذف المفعول من قوله : أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ « 1 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 29 إلى 31 ] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) قوله : وَأَقِيمُوا . فيه وجهان : أظهرهما : أنه معطوف على الأمر المقدر ، أي الذي ينحل إليه المصدر ، وهو « بِالْقِسْطِ » ، وذلك أن « القسط » مصدر ، فهو ينحل لحرف مصدري وفعل ، فالتقدير : قل أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا ، وكما أن المصدر ينحل ل « أن » والفعل الماضي ، نحو : عجبت من قيام زيد ، وخرج ، أي : من أن قام وخرج ، ول « أن » والفعل المضارع ، كقولها : 2196 - للبس عباءة وتقرّ عيني * . . . « 2 » أي : لأن ألبس عباءة وتقرّ ، كذلك ينحل ل « أن » وفعل أمر ، لأنها توصل بالثلاث الصيغ : الماضي والمضارع والأمر ، بشرط التصرف ، وقد تقدم لنا تحقيق هذه المسألة وإشكالها وجوابه « 3 » . وهذا بخلاف « ما » فإنّها لا توصل بالأمر ، وبخلاف « كي » فإنها لا توصل إلا بالمضارع ، فلذلك لا ينحل المصدر إلى « ما » وفعل أمر ، ولا إلى « كي » وفعل ماض ، أو أمر . وقال الزمخشري : « وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ » وقل : أقيموا وجوهكم ، أي : اقصدوا عبادته . « وهذا من أبي القاسم يحتمل تأويلين ، أحدهما : أن يكون قوله : قل أراد به أنه مقدّر غير هذا الملفوظ به ، فيكون « أَقِيمُوا » معمولا لقول آخر مقدّر . وأن يكون معطوفا على قوله : « أَمَرَ رَبِّي » فإنه معمول ل « قُلْ » . وإنما أظهر الزمخشري

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 29 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر آية ( 72 ) من سورة الأنعام .